سيف الدين الآمدي

88

أبكار الأفكار في أصول الدين

وأيضا : فإنّه لو جاز وقوع جميع العلوم الضّرورية نظريّة ؛ فكل ما هو جائز أن يكون ؛ لا يلزم من فرض وقوعه المحال . فلنفرض وقوع جميع العلوم الضّروريّة نظريّة . ولو كان كذلك ؛ لاستحال وقوع شيء من العلوم النّظرية ؛ لأنّ العلم النّظرى لا بدّ وأن ينتهى إلى العلم الضّرورى وإلا لتسلسل الأمر إلى غير النّهاية ؛ وهو ممتنع . وأيضا : فإنه إذا جاز وقوع جميع العلوم الضّرورية نظريّة ، لجاز وقوع العلوم الضّرورية التي هي شرط كمال العقل في النّظر نظرية . « 1 » وإذا كانت نظريّة « 1 » ؛ فتكون متوقفة على النّظر ، والنّظر متوقّف على كمال العقل ، الّذي لا يتمّ النّظر إلا به . وكمال العقل الّذي لا يتمّ النّظر إلّا به ، متوقّف على تلك العلوم الضرورية ؛ فيكون دورا . وأيضا : فإنّه لو جاز وقوع جميع العلوم الضّروريّة نظريّة ؛ « 2 » فالنّظر - على ما يأتي - مضادّ « 2 » وقوع المنظور فيه . ففي حالة النّظر لا يكون عالما بها . وذلك يجرّ إلى تجويز أن يكون العاقل حالة النّظر [ غير ] « 3 » عالم باستحالة اجتماع الضّدين ، وأن لا واسطة بين النّفى والإثبات ، وأنّ الواحد أقلّ من الاثنين ، وأنّ الجسم في آن واحد لا يكون في مكانين . ولا يخفى ما في ذلك من الإحالة ، واتّجاه قول منكري البديهيّات . فإن قيل : هذا وإن دل على امتناع وقوع الضّروريات نظرية ؛ فما المانع من وقوعها كسبية مقدورة للعبد ، وإن لم تفتقر إلى نظر واستدلال ؟ كما قال الأستاذ أبو إسحاق في بعض مذاهبه . فنقول : لو وقعت كسبية مقدورة للعبد ، لصحّ الإضراب عنها ؛ لكونها مقدورة ؛ فإنّه لا معنى للمقدور إلا ما يصحّ فعله / وتركه وإلا كان « 4 » مضطرا إليه وملجأ ؛ فلا يكون مقدورا . ولا يخفى أن إضراب العاقل عن العلوم البديهية محال . كيف وأنّ هذا ممّا لا يطّرد في العقل عنده ؛ إذ هو من العلوم الضروريّة . فلو جاز وقوعه مقدورا ؛ لصحّ الإضراب عنه . وإضراب العاقل عن عقله محال . ثم إنّ حصول العلم مقدورا ؛ يستدعى حصول العقل . وحصول العقل إذا كان من العلوم المقدورة ، فحصوله مقدورا ؛ يتوقّف على حصوله في نفسه . وحصوله في نفسه ؛ يتوقّف على كونه مقدورا ؛ وهو دور ممتنع .

--> ( 1 ) ساقط من ب . ( 2 ) في . ب ( والنظر على ما يأتي يضاد ) انظر ل 18 / ب . ( 3 ) في أ ( غيره ) . ( 4 ) في ب ( ولما كان ) .